فخر الدين الرازي

280

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النار ، فبالنسبة إلى الأول كالعدم ، وهذا كما أن الإنسان في وجوده فوائد ، ثم قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] أي لما كان هذا المقصود أجل المقاصد كان سائر المقاصد بالنسبة إليه كالعدم . واعلم أن اللّه تعالى قرن بهذه الآية قرائن تدل على مبالغته تعالى في بيان كون الإنسان في خسر أحدها : قوله : لَفِي خُسْرٍ يفيد أنه كالمغمور في الخسران ، وأنه أحاط به من كل جانب وثانيها : كلمة إن ، فإنها للتأكيد وثالثها : حرف اللام في لَفِي خُسْرٍ ، وهاهنا احتمالان : الأول : في قوله تعالى : لَفِي خُسْرٍ أي في طريق الخسر ، وهذا كقوله في أكل أموال اليتامى : إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [ النساء : 10 ] لما كانت عاقبته النار . الاحتمال الثاني : أن الإنسان لا ينفك عن خسر ، لأن الخسر هو تضييع رأس المال ، ورأس ماله هو عمره ، وهو قلما ينفك عن تضييع عمره ، وذلك لأن كل ساعة تمر بالإنسان ؛ فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسران ، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضا حاصل ، لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر ، مع أنه كان متمكنا من أن يعمل فيه عملا يبقى أثره دائما ، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها ، أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك ، لأن مراتب الخضوع والخشوع للّه غير متناهية ، فإن مراتب جلال اللّه وقهره غير متناهية ، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر ، فكان تعظيمه / عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل ، وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران ، فثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن نوع خسران . واعلم أن هذه الآية كالتنبيه على أن الأصل في الإنسان أن يكون في الخسران والخيبة ، وتقريره أن سعادة الإنسان في حب الآخرة والإعراض عن الدنيا ، ثم إن الأسباب الداعية إلى الآخرة خفية ، والأسباب الداعية إلى حب الدنيا ظاهرها ، وهي الحواس الخمس والشهوة والغضب ، فلهذا السبب صار أكثر الخلق مشتغلين بحب الدنيا مستغرقين في طلبها ، فكانوا في الخسران والبوار ، فإن قيل : إنه تعالى قال في سورة التين [ 4 ، 5 ] : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ فهناك يدل على أن الابتداء من الكمال والانتهاء إلى النقصان ، وهاهنا يدل على أن الابتداء من النقصان والانتهاء إلى الكمال ، فكيف وجه الجمع ؟ قلنا : المذكور في سورة التين أحوال البدن ، وهاهنا أحوال النفس فلا تناقض بين القولين . [ سورة العصر ( 103 ) : آية 3 ] إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . اعلم أن الإيمان والأعمال الصالحة قد تقدم تفسيرهما مرارا ، ثم هاهنا مسائل : المسألة الأولى : احتج من قال : العمل غير داخل في مسمى الإيمان ، بأن اللّه تعالى عطف عمل الصالحات على الإيمان ، ولو كان عمل الصالحات داخلا في مسمى الإيمان لكان ذلك تكريرا ولا يمكن أن يقال : هذا التكرير واقع في القرآن كقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الأحزاب : 7 ] وقوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] لأنا نقول هناك : إنما حسن لأن إعادته تدل على كونه أشرف أنواع ذلك الكلي ، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع الأمور المسماة بالإيمان ،